
بلا أدنى شك، يشكّل المنبر الحسيني حجر زاوية في بناء المنظومة الحياتية للإنسان والمجتمع، لما يحمله في جوهره من مضامين فكرية وأخلاقية وروحية واجتماعية قادرة على الارتقاء بالإنسان، وبناء شخصيته، وتعميق وعيه بذاته وواقعه ومسؤوليته تجاه مجتمعه وأمته .
فالمنبر الحسيني لم يكن عبر التاريخ مجرد مساحة لاستعادة أحداث واقعة كربلاء وسرد تفاصيلها، بل كان مؤسسة توعوية وإصلاحية أسهمت في حفظ الذاكرة الإسلامية، ونقل القيم والمبادئ، والإجابة عن كثير من الأسئلة التي واجهت المجتمع في مختلف مراحله. ومن هنا، فإن قوة المنبر تكمن في قدرته على الجمع بين أصالة الرسالة وحيوية الحضور في الواقع .
غير أن هذه الثروة الفكرية والمعرفية الهائلة تحتاج اليوم إلى استمرارية في العطاء وتجديد في أدوات الخطاب وموضوعاته، بما يجعل المنبر أكثر قدرة على مواكبة العصر ومستجداته. فالعالم المعاصر يطرح أسئلة جديدة، ويشهد تحولات فكرية واجتماعية واقتصادية وتقنية متسارعة،(1) الأمر الذي يفرض على المنبر الحسيني أن يكون حاضرًا في قلب هذه التحولات، لا متفرجًا عليها، وأن يمتلك القدرة على قراءة الواقع واستيعاب تحدياته، وتقديم رؤية مستمدة من القيم الإسلامية والإنسانية .
إن المنبر الحسيني الناجح هو في جوهره منبر توعوي وإصلاحي لا يكتفي بإثارة العاطفة على أهميتها في الارتباط بقضية الإمام الحسين عليه السلام، بل يعمل على تحويل هذه العاطفة إلى وعي وموقف وسلوك. ولذلك فإن الخطيب والمنبر بحاجة إلى رصيد معرفي واسع يمتد إلى مختلف الحقول الفكرية والثقافية والتاريخية والاجتماعية، بما يمكّنه من فهم الواقع، وتشخيص تحدياته، وتقديم خطاب يرتبط بحياة الناس وأسئلتهم الحقيقية .
ومن أبرز مسؤوليات المنبر في المرحلة الراهنة تحصين المستمع من موجات التشكيك والشبهات الفكرية والعقائدية والتاريخية التي تنتشر بصورة متسارعة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. وهذا التحصين لا يتحقق بمجرد الرفض أو الخطاب العاطفي، وإنما يحتاج إلى معرفة رصينة، وحجة واضحة، وقدرة على الحوار، وقراءة واعية للتراث والتاريخ، تمكّن المتلقي من التمييز بين الحقيقة والشبهة، وبين النقد العلمي وحملات التشكيك .
وهنا تبرز أهمية الأمانة العلمية باعتبارها أحد أهم شروط صناعة الوعي. فالخطيب مسؤول عن التثبت من الروايات والأحداث، وتمييز الصحيح من غير الموثوق، وعدم اللجوء إلى القصص والمبالغات لمجرد إثارة مشاعر الجمهور. فالعاطفة الصادقة عنصر أساسي في المنبر الحسيني، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب الحقيقة؛ لأن الوعي لا يُبنى بالمبالغة، وثقة الجمهور بالمنبر لا تُصان إلا بصدق الكلمة وأمانتها .
ومن أهم الدروس التي تكشفها تجربة سماحة الشيخ حيدر موسى (2) في المنبر الحسيني أن صناعة الوعي لا تنفصل عن صناعة وعي الخطيب نفسه؛ وعيه برسالته، وبحدود معرفته، وبأمانة الكلمة التي يحملها، وبحاجات الناس وقضايا مجتمعهم. فالخطيب الذي يدرك أن المنبر مسؤولية وليس مجرد أداء، وأن الكلمة أمانة وليست وسيلة لإثبات الذات أو استعراض المعرفة، يكون أكثر قدرة على تحويل المنبر إلى مساحة حقيقية لبناء الإنسان .
إن الحفاظ على أصالة المنبر الحسيني لا يعني تجميده في قوالب الماضي، بل يعني استلهام قيم كربلاء ومبادئها من أجل فهم الحاضر وصناعة المستقبل. فكربلاء لم تكن حدثًا منقطعًا عن الزمن، وإنما كانت مشروعًا مستمرًا في الدفاع عن الحق والكرامة والحرية والعدالة، ومواجهة الظلم والانحراف. ومن ثم فإن استحضار كربلاء لا ينبغي أن يقتصر على استعادة الحدث، بل يجب أن يمتد إلى استحضار منهجها في الوعي والموقف والإصلاح .
ومن هنا، فإن المنبر الحسيني في هذه اللحظة الراهنة يمثل ضرورة إسلامية وحاجة مجتمعية، لا بوصفه مؤسسة دينية فحسب، بل باعتباره جسرًا للعبور نحو الشهود الحضاري في هذا العصر. فهو قادر، إذا ما امتلك أدوات المعرفة وفهم الواقع، على الإسهام في تعزيز الوعي الديني والاجتماعي والثقافي بين أبناء المجتمع، وترسيخ قيم المسؤولية والانتماء والتعايش والإصلاح .
إن استعادة المنبر الحسيني لدوره الحضاري تعني أن يتحول إلى مساحة لصناعة الإنسان الواعي؛ الإنسان القادر على فهم دينه، واستيعاب واقعه، والتفاعل الإيجابي مع مجتمعه ووطنه، والمشاركة في بناء مستقبله. وهذا يتطلب أن يتحرر المنبر من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب، وأن ينتقل إلى إنتاج الأسئلة وفتح آفاق التفكير، وربط رسالة الإمام الحسين عليه السلام بقضايا الإنسان المعاصر .
وفي المحصلة، فإن مسؤولية المنبر الحسيني في صناعة الوعي تبدأ، قبل كل شيء، من صناعة وعي الخطيب نفسه؛ فكلما تحرر الخطيب من العجب وحظوظ النفس، واقترب من الإخلاص والعلم النافع والأمانة العلمية، أصبح أكثر قدرة على أن يجعل من المنبر أداة حقيقية لبناء الإنسان وإحياء قيم أهل البيت عليهم السلام .
فالمنبر الذي يجمع بين الإخلاص والعلم، والعاطفة والمعرفة، وأصالة التراث ووعي الواقع، والأمانة العلمية والقدرة على التواصل، هو القادر على استعادة دوره في صناعة الوعي. وبذلك لا يبقى المنبر الحسيني مجرد حافظ لذاكرة كربلاء، وإنما يصبح امتدادًا حيًا لرسالتها؛ يوظف ذاكرتها في بناء الحاضر، ويستمد من مبادئها القدرة على استشراف المستقبل، لتبقى رسالة الإمام الحسين عليه السلام قوة فاعلة في صناعة الوعي، وإصلاح المجتمع، وبناء الإنسان، وتعزيز الحضور الإسلامي في مسيرة الشهود الحضاري المعاصر.
المصادر
1. الموسوي ، رياض . الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد ، موسوعة الأعلامي للمطبوعات ، بيروت ، 2011 ، ص 77 .
2. سماحة الشيخ حيدربن موسى بن خميس اللواتي
بدأ سماحة الشيخ حيدر مسيرته في الوعظ والإرشاد عبر المنبر الحسيني عام 1981م، حين انتدبته الحوزة العلمية لإحياء مجالس العشرة الأولى من شهر محرّم في مدينة أصفهان، حيث ألقى محاضراته في حسينية السيدة زينب عليها السلام، لتكون تلك بداية مسيرة علمية وتبليغية في خدمة الوعي الديني والفكري. ورغم ابتعاده لاحقًا عن ممارسة الخطابة بصورة منتظمة، ظلّ حاضرًا في المناسبات والمحافل الدينية والثقافية كلما وُجّهت إليه الدعوة. كما عُرف سماحته باهتمامه بالفقه الجعفري وعلم التصوف، وصدر له كتاب «ماهية الحكمة» باللغة العربية، وكتاب «بوارق المشكاة» باللغتين العربية والإنجليزية.وتعكس مسيرته شخصيةً جمعت بين التجربة المنبرية والاهتمام العلمي والثقافي، وأسهمت في خدمة الفكر الديني وإثراء الحراك المعرفي..