المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الزعي.4


تقوم النهضة الحسينية، في أحد أبعادها العميقة، على بناء وعي اجتماعي يجعل الإنسان مدركًا لمسؤوليته تجاه نفسه والآخرين والمجتمع الذي يعيش فيه. فكربلاء لم تكن مجرد مواجهة تاريخية انتهت بانتهاء أحداثها، وإنما كانت نموذجًا لجماعة امتلكت وعيًا بالواقع، وأدركت مسؤوليتها، وتكاملت أدوار أفرادها، وحولت قناعاتها إلى مواقف عملية. ومن هنا فإن قراءة النهضة الحسينية لا ينبغي أن تتوقف عند استحضار أحداثها وشخصياتها، بل يجب أن تمتد إلى استنطاق القيم التي يمكن أن تسهم في بناء مجتمع معاصر أكثر تماسكًا وقدرة على خدمة أفراده ومواجهة تحدياته

فالوعي الاجتماعي لا يعني مجرد معرفة المشكلات التي يعيشها المجتمع أو يعانيها، وإنما إدراك الإنسان لموقعه من ذاته، وشعوره بأن ما يصيب الآخرين ليس شأنًا منفصلًا عنه، ثم انتقاله من المعرفة إلى المسؤولية والمبادرة. وهذا المعنى يتجلى في تجربة أصحاب الإمام الحسين؛ فقد كانوا مختلفين في أعمارهم وتجاربهم وأدوارهم، لكنهم اجتمعوا على إدراك طبيعة المرحلة وتحمل مسؤوليتها. فحبيب بن مظاهر يمثل نموذج الإنسان المبادر والجريء الذي لم يكتف بالموقف الشخصي، وإنما تحرك في محيطه وسعى إلى النصرة وجمع الطاقات، بينما يقدم زهير بن القين نموذجًا للإنسان الذي يعيد قراءة موقفه عندما يكتشف مسؤوليته، ويقدم العباس بن علي نموذجًا للوفاء والخدمة وتحمل المسؤولية عن الآخرين. وتكشف هذه النماذج أن قوة المجتمع لا تقوم على تشابه أفراده، بل على تكامل أدوارهم وقدرة كل فرد على توظيف ما يملكه في خدمة الصالح العام.
.
ومن هنا يمكن فهم التكافل والتعاون باعتبارهما جزءًا من منظومة واحدة عنوانها المسؤولية الاجتماعية. وهذا يتقاطع مع رؤية الشيخ محمد مهدي شمس الدين للاجتماع الإسلامي، حيث جعل التكافل الاجتماعي عنصرًا أساسيًا في تنظيم علاقة الإنسان بمحيطه، وربط أحكام الجوار بمفهوم المسؤولية المشتركة داخل المجتمع      ويظهر ذلك بوضوح في كتابه في الاجتماع المدني الإسلامي: أحكام الجوار في الشريعة الإسلامية ، الذي تناول فيه البعد الاجتماعي لأحكام الجوار والتكافل، مؤكدًا أن الاجتماع الإسلامي لا يقوم على العزلة، بل على التفاعل وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين.

كما يمكن استحضار تجربة  الشهيد السيد حسن نصر الله في التأكيد على أن المسؤولية ليست مفهومًا نظريًا، بل ممارسة تتجسد في التضامن والعمل والخدمة. ففي حديث منسوب إليه حول المسؤولية تجاه العائلة 
  يؤكد على أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وليس كائنًا يعيش حياته بصورة عبثية، وهو معنى يمكن توسيعه من مسؤولية الفرد تجاه أسرته إلى مسؤوليته تجاه محيطه ومجتمعه. كما ارتبط خطابه العام، في بعض مواقفه، بالدعوة إلى التكافل والتضامن لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
.
وعليه، فإن التكافل لا ينبغي أن يختزل في المساعدة المالية أو العون المؤقت، وإنما يتسع ليشمل توظيف المال والعلم والخبرة والوقت والعلاقات في مساعدة الآخرين وتمكينهم من تجاوز مشكلاتهم. فإذا واجهت أسرة أزمة اقتصادية، فقد تكون المساعدة في توفير فرصة عمل أو تدريب أو استشارة، وإذا واجه شاب صعوبة في التعليم أو العمل، فإن أصحاب الخبرة يستطيعون إسناده وتوجيهه، وإذا واجهت مبادرة اجتماعية أو مأتم مشكلة اقتصادية أو قانونية، فإن المعالجة ينبغي أن تقوم على التشاور والاستفادة من أهل الاختصاص والبحث عن حلول صحيحة، بدل ترك المشكلة تتفاقم أكثر. فالمطلوب ليس مجرد المحافظة على الشكل الاجتماعي، وإنما الحفاظ على قدرة المجتمع على أداء وظيفته في خدمة أفراده. وهنا تتحول كربلاء من تجربة تاريخية إلى منهج اجتماعي: وعيٌ بالمسؤولية، وتكاملٌ في الأدوار، وتعاونٌ في مواجهة المشكلات، وتحويلٌ للقيم إلى عمل يخدم الإنسان والمجتمع.

وفي هذا السياق تبرز أهمية ما طرحه السيد عباس علي النقوي من الهند (1) حول ضرورة مواجهة واقع الحال وعدم الاكتفاء بالنظر إلى المجتمع من خلال الصورة المثالية التي نريدها، بل التعامل مع تحدياته الفعلية والعمل على الحفاظ على بنيته الاجتماعية وتماسكها. فالمجتمع الذي لا يقرأ واقعه ولا يواجه مشكلاته بوعي قد يفقد تدريجيًا قدرته على الاستمرار، بينما المجتمع القادر على تشخيص مشكلاته وتعبئة طاقاته لمعالجتها يستطيع أن يحافظ على تماسكه ويطور قدرته على خدمة أبنائه ..

وتأتي المبادرات الفردية بوصفها مدخلًا مهمًا لهذا الوعي، ومن النماذج التي يمكن الاستفادة منها تجربة الملاية أم مهند (2) في المساعدة والمبادرة الاجتماعية؛ إذ تكشف مثل هذه التجارب أن العمل الاجتماعي قد يبدأ من مبادرة بسيطة، لكنه يصبح أكثر أثرًا عندما تتكامل معه جهود الآخرين. فقد يبدأ شخص بالمساعدة، وينضم إليه آخر بخبرته، وثالث بماله، ورابع بوقته أو علاقاته، فتتحول المبادرة الفردية إلى عمل جماعي. وهنا تتجسد روح المجتمع المتعاون الذي لا ينتظر دائمًا حلولًا خارجية، وإنما يكتشف إمكاناته ويستثمرها في خدمة أفراده . 

ويبرز في هذا المجال الدور المحوري للمنبر الحسيني والخطيب، لأن الخطيب يمتلك قدرة على الوصول إلى عقول الحاضرين ووجدانهم، ولذلك فإن مسؤوليته لا ينبغي أن تقتصر على نقل الأحداث أو استثارة العاطفة، بل تتجاوز ذلك إلى تحويل القيم الحسينية إلى وعي اجتماعي وسلوك عملي. وهنا يستوقفنا ما طرحه  الأستاذ عبداللطيف محسن باقر اللواتي (3)  من استحضار أصحاب الإمام الحسين ومواقفهم ومبادراتهم وربطها بواقع الناس. فحين يتحدث عن حبيب، يمكن أن يتحول الحديث إلى سؤال: أين حبيب في مجتمعنا اليوم؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية المبادرة وخدمة الآخرين؟ 
وبهذه الطريقة يتحول أصحاب الإمام الحسين من شخصيات تاريخية نستمع إلى سيرتها إلى نماذج اجتماعية نستفيد من قيمها، ويصبح المنبر قادرًا على الانتقال من سرد الشخصيات إلى بناء الشخصية، ومن عرض التاريخ إلى قراءة الحاضر، ومن إثارة العاطفة إلى صناعة الوعي. فالخطيب يستطيع أن يجعل المستمع يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أقدم لمجتمعي؟ ومن يحتاج إلى مساعدتي؟ وما المشكلة التي يمكن أن أساهم في حلها؟ وهنا تتحول الرسالة الحسينية من حالة وجدانية مؤقتة إلى مسؤولية مستمرة ..

إن وظيفة المنبر لا تنتهي بانتهاء المجلس؛ فالمشاعر التي تولدها كربلاء يمكن أن تتحول إلى مبادرات في الحياة اليومية، كدعم الطلبة، ومساعدة الأسر المحتاجة، وتأهيل الشباب، ورعاية كبار السن والمرضى، وتشجيع العمل التطوعي، ومساندة أصحاب المبادرات، ونشر المعرفة، والمساهمة في معالجة القضايا الاجتماعية. وبذلك يصبح المنبر مساحة لتكوين الوعي وتحريك المجتمع، ويصبح الخطيب حلقة وصل بين الفكرة والممارسة، وبين القيم والعمل .

 إن الوعي الاجتماعي في النهضة الحسينية، في جوهره، هو الانتقال من الإحساس إلى المسؤولية، ومن المسؤولية إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى العمل الجماعي الذي يخدم الإنسان ويحافظ على تماسك المجتمع. ولذلك فإن التكافل والتعاون ليسا فكرتين منفصلتين تستوجبان التكرار، بل هما تعبير عن مسؤولية اجتماعية واحدة قوامها أن يشعر الإنسان بحاجة الآخر، وأن يوظف قدرته في خدمته، وأن تتكامل جهود الأفراد لمواجهة واقعهم وبناء مجتمع قادر على خدمة أفراده .

 تتجلى أهمية المنبر الحسيني في قدرته على تحويل كربلاء من ذكرى تاريخية إلى وعي حي ومسؤولية عملية؛ فحين يقدم الخطيب أصحاب الإمام الحسين نماذج للوعي والبذل والمسؤولية، يتحول المجلس الحسيني إلى مدرسة لبناء الإنسان وخدمة المجتمع. وعندما تنتقل المشاعر إلى وعي، والوعي إلى مبادرة، والمبادرة إلى تعاون، تخرج كربلاء من حدود الذاكرة إلى فضاء الحياة، وتتجدد نهضتها بوصفها مشروعًا مستمرًا للإصلاح وبناء المجتمع. فالمطلوب من المنبر اليوم ألا يكتفي بسرد ما فعله أصحاب الحسين، بل أن يدفعنا إلى أن نسأل بوضوح: ماذا سنفعل نحن لخدمة مجتمعنا، ونصرة الحق، وتحمل مسؤوليتنا؟ 

المصادر
 1.  السيد عباس علي النقوي أحد علماء الشيعة في حيدرآباد بالهند، حاصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن. بدأ مسيرته في الوعظ والإرشاد في إحدى الحسينيات منذ أن بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وواصلها حتى اليوم. وقد تنقل محاضرًا وواعظًا في عدد من البلدان، منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وباكستان ودولة الإمارات العربية المتحدة، مكتسبًا تجربة واسعة في التواصل مع مجتمعات متعددة
.
 2. الملاية لقب شعبي يطلق على المرأة التي تتصدى للوعظ والإرشاد ، وملاية  أم مهند إحدى الناشطات النسويات في سلطنة عمان، حاصلة على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة السلطان قابوس، وواصلت دراستها الأكاديمية لنيل درجة الماجستير. اعتلت المنبر الحسيني للمساهمة في سد الفراغ النوعي في مجال الخطابة المنبرية النسوية،  قدمت محاضرات في عدد من المناسبات الدينية ثم توقفت لفترة لاستكمال دراستها الأكاديمية، مقدمة تجربة تجمع بين الوعي الأكاديمي والحضور المنبري .

3. الأستاذ عبداللطيف محسن باقر اللواتي، متخصص في إدارة التنمية واستشاري تنفيذي، يمتلك خبرة واسعة في التخطيط والاستراتيجية إدارة المؤسسات وتطوير الأداء، إلى جانب خبرة مهنية في مجال الصيرفة الإسلامية. ويجمع في مسيرته بين الخبرة العملية والاهتمام بقضايا التنمية والمجتمع، مع اهتمام معرفي بالعلوم الدينية والاجتماعية وقراءة تحولات الإنسان والمجتمع من منظور فكري معاصر، بما يعكس رؤية متكاملة تربط بين الإدارة والتنمية والوعي الاجتماعي والفكري .


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الخميس 2026/9/17 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير