المواطنة في ولاية الفقيه - 2


يعدّ موضوع «المواطنة في إطار نظرية ولاية الفقيه» من الموضوعات الحديثة نسبيًا في حقل الدراسات الحوزوية والفكر السياسي الشيعي الإمامي الاثني عشري، إذ لم يحظَ ـ في حدود ما يظهر من الدراسات المتاحة ـ بمعالجة مستقلة وشاملة تستوعب أبعاده الفكرية والفقهية والسياسية ضمن منهج أكاديمي متكامل. وتنبع أهمية هذا الموضوع من التحولات العميقة التي شهدها العالم المعاصر، ومن الانتشار الواسع لأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام في دول وأنظمة سياسية وثقافية متباينة، الأمر الذي جعل مسألة العلاقة بين الانتماء الديني والانتماء الوطني من القضايا الفكرية والسياسية الملحّة التي تستدعي الدراسة والتحليل .

وتتجلّى أهمية البحث بصورة أوضح في ظل الطبيعة العالمية للحوزات العلمية الشيعية، التي تستقطب سنويًا أعدادًا كبيرة من طلبة العلوم الدينية المنتمين إلى بيئات قومية ووطنية متعددة؛ فقد يكون طالب العلم عمانيّ الجنسية منتميًا إلى سلطنة عُمان، أو هنديًا يعيش ضمن الإطار الوطني الهندي، أو مواطنًا في إحدى الدول الأوروبية التي تقوم بنيتها السياسية على أسس الدولة المدنية الحديثة والمواطنة الدستورية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة طبيعة العلاقة بين الانتماء العقدي المرتبط بنظرية ولاية الفقيه، وبين الانتماء السياسي والقانوني المرتبط بالدولة الوطنية الحديثة .

وقد جاء اختيار هذا الموضوع نتيجة ملاحظة وجود قدر من الاضطراب في الوعي العام تجاه فهم مفهوم المواطنة وحدود الوطنية لدى بعض الشيعة المنتشرين في العالم، ولا سيما لدى مقلدي الولي الفقيه؛ حيث تُثار تساؤلات متعددة حول طبيعة العلاقة بين الالتزام الديني والطاعة السياسية من جهة، والانتماء الوطني والالتزام بالقانون والدولة من جهة أخرى. كما تتفاقم هذه الإشكالية في ظل التوترات السياسية الإقليمية والدولية التي كثيرًا ما تنعكس على صورة الشيعة وعلاقتهم بأوطانهم، وتثير إشكالات تتصل بمسألة الولاء والانتماء السياسي .

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى مقاربة هذه الإشكالية من خلال التركيز على ثلاثة محاور رئيسة :-

1. بيان مفهوم المواطنة، والكشف عن الأسس الفكرية والقانونية التي تقوم عليها الدولة  الوطنية الحديثة.
 
2.دراسة أبرز الإشكالات التي تواجه الشيعة، ولا سيما مقلدي نظرية ولاية الفقيه، عند مقاربة  مفهوم المواطنة ضمن الإطار الفكري والسياسي للنظرية .
 
3. تقديم مجموعة من المقاربات والحلول الفكرية التي يمكن أن تسهم في تحقيق قدر من الانسجام  بين الانتماء الديني والانتماء الوطني .

ويهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة علمية هادئة تسهم في تعزيز الوعي بمفهوم المواطنة داخل البيئة الشيعية الإمامية، كما يسعى إلى فتح باب النقاش الأكاديمي والحوزوي حول طبيعة العلاقة بين الفقه السياسي الشيعي والدولة الوطنية الحديثة، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو الاصطفافات السياسية الضيقة .

 المواطنة أحد الركنين الأساسيين اللذين تقوم عليهما الدولة المدنية الحديثة، إلى جانب القانون؛ إذ لا تستقيم الدولة الحديثة من دون منظومة قانونية تنظّم شؤون المجتمع، ولا من دون مفهوم للمواطنة يحدد طبيعة الانتماء السياسي والحقوقي للأفراد داخل الدولة.

 فالقانون هو التشريع العلماني  في الدولة المدنية الحديثة القابل للتطوير والتعديل وفق تحولات المجتمع ومصالحه المتغيرة، ولا يستند إلى فكرة الثبات المطلق أو الديمومة النهائية التي تتبناها بعض الأيديولوجيات المغلقة. ومن ثمّ، يُنظر إلى القانون بوصفه نتاجًا بشريًا يخضع للمراجعة والتقويم والتغيير تبعًا لمقتضيات الواقع السياسي والاجتماعي.
.
أما المواطنة، فهي الانتماء العلماني والإطار الذي ينظّم علاقة الفرد بالدولة من حيث الحقوق والواجبات والانتماء السياسي، وهي تقوم ـ في التصور الحديث ـ على أساس الانتماء الوطني بوصفه رابطة قانونية وسياسية جامعة، لا على أساس الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. 

وبهذا المعنى، تمثل المواطنة انتقالًا من مفهوم الجماعة العقائدية المغلقة إلى مفهوم الدولة الجامعة التي يتساوى فيها الأفراد أمام القانون بصفتهم مواطنين ومن هنا تتبدّى المواطنة بوصفها مفهومًا مغايرًا لفكرة «الأممية الأيديولوجية» التي تتبناها بعض المشاريع الدينية أو الفكرية العابرة للحدود، حيث يُقدَّم الانتماء العقائدي أو الفكري على الانتماء الوطني. في المقابل، تقوم الدولة الوطنية الحديثة على اعتبار الوطن والدستور والقانون مرجعيةً سياسيةً عليا تنظّم العلاقة بين الأفراد والدولة ضمن حدود جغرافية وسيادية محددة .

ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق، ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن مفهوم المواطنة ذو منشأ غربي خالص؛ إذ إنّ الدراسات الاجتماعية والسياسية الحديثة تشير إلى أن جذور هذا المفهوم أقدم من الدولة الوطنية الحديثة، وتمتد تاريخيًا إلى الحضارات القديمة، ومنها الحضارة الإغريقية، وربما إلى ما قبلها بقرون. فالفكر الإنساني لم يترك قضية تتصل بتنظيم الاجتماع السياسي إلا وتناولها بدرجات متفاوتة من البحث والتأمل، وما يُطرح اليوم بوصفه أفكارًا سياسية حديثة لا يخلو ـ في كثير من الأحيان ـ من امتدادات تاريخية وجذور معرفية سابقة .

ومن ثمّ، فإن الادعاء بأن مفهوم المواطنة يمثل ابتكارًا غربيًا خالصًا يفتقر إلى الدقة التاريخية؛ لأن الفكر السياسي تطوّر عبر حلقات متصلة ومترابطة أسهمت فيها حضارات متعددة، بدءًا من الحضارات الشرقية القديمة، مرورًا بالحضارة اليونانية، وصولًا إلى الفكر السياسي الحديث والمعاصر. وعليه، لا يمكن الحديث عن مركزية حضارية مطلقة في إنتاج الفكر السياسي، بل إنّ تطور هذا الفكر يمثل حصيلة تراكمات إنسانية متعاقبة أسهمت فيها أمم وثقافات متعددة .

وقد عزّز هذا التصور الاطلاع على نماذج بارزة من الفكر السياسي في الحضارات الشرقيةالقديمة؛ فالحضارة المصرية عرفت نصوص الحكيم  (بتاح حتب) التي تناولت قضايا الحكم والإدارة والأخلاق السياسية، كما شهدت الحضارة البابلية ظهور شريعة حمورابي التي تضمنت تشريعات مدنية وجنائية وتنظيمات اجتماعية متقدمة بالنسبة إلى عصرها، فضلًا عن الإسهامات الفكرية للحكيم الصيني كونفوشيوس في بناء التصورات الأخلاقية والسياسية المتعلقة بالنظام الاجتماعي، إلى جانب ما عرفته الحضارة الهندية من تصورات  فكرية واجتماعية وسياسية للحكيم بوذا الهندي وأثاره في تنظيمات تربوية وقانونية . وتؤكد هذه النماذج أن الفكر السياسي الإنساني نشأ عبر مسار تاريخي طويل ومتداخل، لا يمكن حصره في إطار حضاري واحد أو اختزاله في التجربة الغربية الحديثة وحدها . والحمد الله رب العالمين


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الجمعة 2026/5/15 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير