
يقول جان جاك روسو : " أن تكذب لصالح نفسك، فهذا مستحيل، وأن تكذب لصالح الغير، فهذا تدليس، وأن تكذب بقصد إلحاق الأذى بالغير فهذا افتراء، وهذا هو أسوأ أصناف الكذب، وأن تكذب من دون قصد لجلب مصلحة أو إلحاق الأذى لا يعتبر كذباً بل تخيلاً " .
وبما أن التضليل يعدُّ سمة من سمات الإعلام وقد أصبح أمراً واقعاً في بعض المؤسسات الإعلامية من خلال طريقة تقديم الوقائع على غير حقيقتها ، عند هذه النقطة ثمة أمر لا بدّ من الإشارة إليه ، وهو أن الصدق والكذب متعلقان بنية القول وقصدية القائل بغض الطرف عن نسبة الحقيقة في القول، النسبة التي تبقى مرهونة بما يتوفر لدى القائل من علم، فنقيض الكذب ليس الحقيقة ولا الواقع، بل الصدق والصحة.
لذلك سأسعى من خلال هذا الجزء من البحث إلى استدراج سردية الكذب بوصفها آلة من آليات الشيطان لفرض سيطرته على المجتمعات البشرية ، من أجل فهم وظائف الكذب في الفضاء العام ومن خلال معاينة حضوره الاجتماعي سأقوم بتفكيك المنطوق الشفوي أو الشفهي المحفز لفكرة الكذب عند الشيطان وما يرافقها من نسج قصص خيالية وكأنها ضرب من الصدق .
ما هو الكذب ؟ الكذب هو إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمداً أم خطأً ، وقد أضاف النووي على هذا التعريف عبارة : " سواء كان الإخبار عن ماض أم مستقبل"(1) . واقعاً لا يوجد مجتمع لا يمارس الكذب كقيمة اجتماعية، وهذه الممارسة تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، ومن قرية إلى أخرى، انظر أنت إلى شخص يعيش في البادية ، الفرد يستنجد بالكذب تعبيراً لكسر حالة الفقر، إذاً الكذب بالنسبة للبدوي يعتبر محموداً أليس كذلك، أما بالنسبة للفرد في المدينة فيبدو الكذب عنده أكثر مقبولية وحركية في النسيج الاجتماعي، إذاً الشخص في الحضر يستبطن الزيف وكأنه ضرب من الصدق . فالكذب كقيمة اجتماعية تتأثر بالحركة البشرية المطردة وكما رأينا فهو مفهوم غير ثابت ولكنه ضرورة إنسانية .
من المؤكد أن هذا شيء مذهل أن يكون الكذب ضرورة إنسانية ، عندما طرحت الآليات التي يستخدمها الشيطان في الجزءالثاني من هذا البحث كانت آلية الكذب إحداها، وهذه الآلية لاقت اهتماماً كبيراً من قبل المتابعين والمهتمين بأبحاثي حتى أن إحدى السيدات من تركيا أرسلت لي رسالة طلبت مني أن أبدأ بشرح كيف يسيطر الشيطان على الناس بالكذب ناهيك ما وصلني من الأصدقاء عن آليات أخرى .
أنا أستطيع استخلاص الأسباب الكامنة وراء هذا الاهتمام ، للوهلة الأولى لا أحد يقبل أن ينعت بالكذاب حتى لو كان يمارس الكذب من حين إلى آخر ، فالكذب تهمة خطيرة وعادة ما يتردد الناس في إطلاقها على أحد حتى لو كانوا يعتقدون أن التهمة مستحقة نجدهم يستخدمون الكلمة الأقل وطأة ، هكذا وجد أحد وعاظ السلاطين نفسه يستخدم الكذب حين رافق الحاكم في جولة صيد الطيور ،عندما وصلا إلى منطقة يكثر فيها الطير أطلق الحاكم رصاصة من بندقيته فأخطأ الرمية وطار الطير من مكانه، قال هذا الواعظ :" الله أكبر لقد طار مقتولاً سيدي".
هناك أمثلة لا حصر لها يكذب فيها القادة والدبلوماسيون على بعضهم البعض وهم يعتبرون الكذب أمراً اعتيادياً ، قل لي من قرر أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل: الأمم المتحدة ! لا ، وكالة الطاقة الذرية ! لا ، أمريكا نعم، ولكن من شكك في هذه المعلومة أن العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل إما ساذج أو أبله أو غير وطني ، ماذا كانت نتيجة هذه الكذبة احتلال العراق في 19 مارس 2003 م وما إن انجلت الغبرة بعد الاحتلال، حتى تبيّن أن لاوجود لأسلحة دمار شامل في العراق .
إذاً هناك مبررات استراتيجية عند الشيطان في الكذب لتمرير أجندات خفية وبالقانون ، لهذا نحن نخلط أحياناً بين الخطاب التحليلي أو التفسيري من جهة، وبين الخطاب العملي الأخلاقي . في الخطاب العملي أنت تستطيع تعبئة الجماهير ضد عدوّ مشترك وفي المقابل يحول الشيطان هذا الخطاب إلى أداة استسلام لك حين ينادي بالسلام مع العدوّ مغلفاً بغلاف قانوني، هنا تصبح القضية قضية فكرية هل أنت من دعاة ثقافة السلام أم من دعاة ثقافة الحرب؟ هنا نحن أمام هيمنة فكر الشيطان على عقول الجماهير بحيث يجعلك تتأرجح بين قطبين متنافرين ، هذه المؤامرة هي نتاج عقل واحد وضع خططاً جبارة وصاغ الواقع حسب هواه.
ما هو هذا الواقع ؟ للإجابة على هذا السؤال دعونا نرجع إلى الوراء حيث عرضت مسرحية تاجر البندقية في بريطانيا لوليم شكسبير ، أهم الشخصيات الرئيسية في هذه المسرحية هي شخصية شيلوك اليهودي الرجل الطماع والذي يعمل بالربا ، علماً أن شيلوك ليس اسماً يهودياً ، وإنما اقتبس هذا الاسم من كلمة " شالح" وهي شخصية يرد اسمها في سفر التكوين (فصل 11 الآيتان 14-15) فينطق شالح "شيلوه" علماً أنه لم يكن يوجد يهود في إنكلترا زمن كتابة فصول هذه المسرحية في 1597م إلا بعض اليهود المارانو الذين كانوا يقيمون هناك وكان أحدهم طبيباً خاصاً للملكة إليزابيث والذي اتهم بالتآمر ضدها وأعدم بعد ذلك بسببها، وكانت البندقية تضم ثلاثة أنواع من اليهود: سفارد الشام والمارانو الذين سمح لهم بممارسة التجارة ويهود الاشكناز الذين منعوا منعاً باتاً من الإتجار..
هذه المسرحية ارتبطت بالصورة اليهودية بصورة واضحة تماماً ومثل شيلوك الفرنسي أحد الفريسيين وهي فرقة يهودية ظهرت زمن عيسى المسيح عليه السلام فهو يحترم القانون ويجيد تفسير الكتاب المقدس ، من هنا فإن شيلوك يمثل الفريسيين حين يطالب في المسرحية برطل من اللحم من جسد أنطونيو الذي عجز عن دفع الدين ليقدم الأخير إلى المسلخ للذبح فلاهوت العدالة اليهودية تمثل من دون رحمة.
من هنا بدأ التعاقد بين اليهود والمسيحيين على محاكمة الآخرين ضمن تعاليم العهد القديم ويمثله شيلوك، والعهد الجديد ويمثله أنطونيو صاحب الرحمة، وعليه بنيت عقيدة الشيطان ، هذا هو واقع الأمر، الازدواجية التي تعبّر عن علاقة أعضاء لهم الحق في العيش في أرض ليست لهم، بل دخلوها بكذبة لاهوتية انطلت على الجماهير الذين حضروا عرض مسرحية تاجر البندقية ، وما زالت هذه المسرحية تعرض على مسارح كثيرة في العالم الآن. والحمد لله رب العالمين .
المصادر :
1.آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة ، سعيد بن وهب القحطاني، ص 38