
إن تضليل عقول البشر يعدُّ من أخطر أدوات القهر التي يستخدمها الشيطان لتحقيق مآربه ، فمن خلالها يسعى لتطويع الجماهير لأهدافه الخاصة ، فما هو السلاح الذي يستخدمه الشيطان في تطويعهم ؟ إن أقوى سلاح يستخدمه هو الأساطير فهي تبرّر وتفسر وتضمن التأييد الشعبي لنظام اجتماعي يخدم أجندات الشيطان، وإن كانت هي لا تخدم في المدى البعيد مصلحة الأغلبية ، ولكن عندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح تنتفي حينها الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة .
ما الأسطورة ؟ الأسطورة في أحد تعريفاتها هي حكاية مقدسة ذات مضمون رمزي عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود والحياة والإنسان " ، وفي تعريف آخر لها: (إنها حكاية تقليدية تلعب الكائنات الماورائية أدوارها الرئيسية ). (1) هناك قصص كثيرة ومدونات عديدة عند أصحاب الديانات بشكل عام أضيفت إليها الخرافات وقد استغلها الشيطان كأداة للتضليل الإعلامي والهيمنة الاجتماعية خاصة أنها تلغي وظيفة العقل وهذا هو مربط الفرس عند الشيطان ، إلغاء العقل .
ومن الواضح أن الشيطان طرح مجموعة أساطير ليتلاعب بها على عقول البشر والسيطرة على المعلومات والصور والتي ستنتشر وتقال للناس على كل المستويات الإعلامية فهي الوسيلة الأساسية له، وبالتالي يتم تأمين قاعدة اجتماعية بسيطة يمكن وضعها في خانة وكلاء الشيطان ، وهكذا تصبح هذه المستويات الإعلامية جاهزة تماماً للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل خاصة إذا كانت الأسطورة تلامس العاطفة ، فهو يعمد من خلالها إلى إلغاء دور العقل في تفسير الأسطورة وتفنيدها عقلاً ، بل يسلب قدرتك على السؤال وكما قال الإمام علي عليه السلام في خطبته: "لا نسأل عما جهلنا " ، لأن طرح الأسئلة تفعيل للعقل .
ولكن ما هو العقل ؟ أنت عندما تلتقي بأحد معارفك وتخبره أنك التقيت بفلان ووجدته إنساناً عاقلاً، هنا ثمة سؤال يطرح : لماذا نعته بالعقلانية ؟ جوابك الطبيعي سيكون أنك وجدته يفكر دائماً كيف يصل إلى حقيقة الموضوع ولا يحكم على ظاهرالأشياء أليس كذلك؟ ، إذاً أنت عرفت العقلانية بشكل غير رسمي ، أما رسمياً فلها تعاريف متعددة ، يقول بورك فيمن: (العقلانية هي المنهجية التي يكون معيار الحقيقة فيها فكرياً أو استنباطياً وليس حسياً. (2) الإمام علي عليه السلام يقول: ( العقل عقلان مطبوع ومسموع ولا ينفع المسموع إذا لم يك مطبوعاً كما لا تنفع العين وضوء الشمس ممنوع ). (3)
إذأً التضليل الإعلامي يؤدي دوره الفعال عندما يتم إخفاء شواهد وجوده، أي إن التضليل يكون ناجحاً عندما يشعر المضللون بأن الأشياء هي على ما عليه من الوجهة الطبيعية الحتمية وتساندها في المرجعيات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية التي تعمل كوكيل ضمن أجندات الشيطان للتضليل ، ولكي يؤمن الناس بصحة الأسطورة لا بدّ أن تكون هناك حيادية ، وهذه الحيادية هي أسطورة الشيطان التي يقدمها للناس ، ولكنها في الوقت نفسه سلاح فتاك يستخدم لتركيع الناس نفسياً وعاطفياً ، فيؤمن الناس بحيادية المرجعيات ومؤسساتها الاجتماعية أنها بعيدة كل البعد عن دائرة التضليل وما يمارسه أتباع هذه المرجعيات هو امتثال للأمر الواجب ، بالنتيجة تظهر لنا كيانات سياسية ودينية واجتماعية مستقلة يمكن استخدامها لقمع المخالفين بوسائل متعددة بفتوى أو غيرها من الوسائل المتاحة ، فتصبح أسطورة الحياد خارج دائرة التحزبات فيحقق الشيطان مراده في تقسيم المجتمعات إلى مرجعيات متعددة فتظهر الفتن وتبدأ التنازلات لكسر كبرياء الناس وإسقاطهم في سراب الوعود والمستقبل الوهمي حيث يتجسد كأساطير شعبية تنتظر الوعود .
أنت بدورك انظر إلى المشاريع الجبارة التي يطرحها الشيطان ، هو يرسم لك أحلاماً وردية لن تتحقق ليحصل منك على ما يريد ، يحدثك عن الشراكة ولكن أفعاله تناقض كل كلمة ينطق بها ، هو يبيعك الخيال ليشتري منك الواقع وأنت تدفع له من عمرك وجهدك بانتظار السراب ، ولكن لو سألنا عن حقيقة هذه الوعود سنجد أنها وعود وهمية كما أسلفت، فهي أسطورة خالية من أي أيديولوجية مقصودة ومع ذلك لا بدّ من أن يعكس الناتج النهائي الهيمنة التامة والعبودية للشيطان مقابل الأمن .
يقول غوستاف لوبون: " ليس كل من يبكي هو إنسان مظلوم فبعضهم يتقن فن التلاعب بعواطفك ببراعة، وهناك من يتخذ من دور الضحية أسلوب حياة ليتهرب من مسؤولية أخطائه وكوارثه المتكررة" (4) ، وهو واقعاً أعظم انتصار أحرزه التضليل الإعلامي من خلال أسطورة فرد يتخذ من دور الضحية أسلوب حياة، وهو يتجلى في أوضح صوره في مجتمعاتنا في الاستفادة من الظروف التاريخية الخاصة في مظاهر التطور الغربي من أجل تكريس تعريف محدد للحرية تمت صياغته في أداء وظيفة مزدوجة ، فهو يحمي ملكيته الخاصة ويطرح نفسه في الوقت ذاته حارساً لرفاهية الفرد وممتلكاته .
بالنتيجة ظهرت لنا طبقات اجتماعية رأسمالية فردية ، هذه الأسطورة صيغت على أساس أن للفرد حقوقاً مطلقة ولا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع ، هنا قدم الشيطان للفرد الحرية المطلقة في اختياراته الشخصية وأبطل حقوق الجماعة كي تركض بدورها وراء هذا الفرد أو ذاك وتكسب رضاه ، وهذا هو الهدف أن تكون دائماً في حالة الركض ومستنزفاً خلف سراب إرضائه لأنه لا يريدك أن تصل إلى مرحلة الاستقرار والتقدم ، بل يريدك دائماً أن تشعر بالتقصير والضعف ، يجعلك تعتقد وتظن أن الخلل في ذاتك فيك وأنك غير كافٍ، بينما معاييره هي وحدها الوهمية، وما أسطورة الفرد وحريته المطلقة سوى أداة استنزاف نفسي وليس إلا. والحمد لله رب العالمين.
المصادر :
1.قاموس كمبريدج.
2. العقلانية ، بورك فيمن ، ص 263
3. الحداثة وما بعد الحداثة ، محمد سبيلا ، ص 26
4. سيكولوجية السيطرة ، غوستاف لوبون.