قراءة في فكر الإمام علي في وصف زمان الجور. 6



إن حديثي في هذا الجزء قبل الأخير من البحث سيتمحور حول آلية  دعم الشيطان لرموز مهمة في المجتمع . ومن أجل الوصول إلى المنابع الظاهرة والخفية  لهذه الآلية والتي تتدفق منها البيانات والتي يكمن هدفها في بناء سردية معينة، وهذه السردية قد تكون ثقافية تتشكل في الفضاء العمومي، أو المصلحية التي تركز على  التأثير والمراوغة  لتحقيق المكاسب، حيث تتحول فيها هذه الخيارات إلى اختيار رمز من رموز المجتمع ليتصدى لشؤونها  من دون موافقة الجمهور أو المجتمع . هذا الفعل هو في حدّ ذاته حقيقي أو متخيل ، لكنه  سلاح يعيد تشكيل الواقع . هذا التحول الذي ينقل المعنى من الدور الفردي إلى الدور المؤسساتي  يستخدم لإضفاء الشرعية  التاريخية والثقافية  على المشاريع ، محولاً الحقائق إلى رموز إلهامية  تربط الناس بعوالم خفية وتكثيف يمنح هذا الرمز أو ذاك أهلية تكون أبعد من السرد مباشرة ليتشكل بناء اجتماعي مستقل يسمى بالطابور الخامس.

من منكم  لم يسمع بالطابورالخامس؟ ، من المؤكد أنّ أكثركم قد سمع به ، فلو سألت أحدكم ما هو تعريف الطابور الخامس لديك ؟ أبسط الإجابة على هذا السؤال سيكون أن شخصاً يعمل ضمن فريق لإثارة القلاقل في المجتمع أو شخص يحب إثارة المشاكل من دون سبب وجيه . تعالوا معي في رحلة لنتعرف على هذا الطابور وما هي صفاته؟  ثم نفكك كل صفة على حدة  لنفهم بالتالي من هم الذين يعتمد عليهم الشيطان في التلاعب على عقول الناس والسيطرة عليهم ، رحلتنا سوف تكون ممتعة فهل أنتم جاهزون لها؟ ، حسناً فلننطلق على بركة الله.

  بداية ما هو الطابور الخامس ؟  الطابور أو التابور لغة عند صاحب معجم الألفاظ التاريخية: "صف من الناس يقف بعضهم خلف بعض"(1)، والتابور كما ذكره أئمة اللغة (2). واصطلاحاً  هو عبارة من قاموس التآمر والمكيدة تدل على وجود عملاء  محليين غير معروفين يشتركون في مؤامرة تُدار من الخارج، ويشكلون سندها المحلي  وقوتها المتحفزة في الإذن بالتحرك.
 
 إن منشأ التسمية يعود إلى حقبة الحرب الأهلية الإسبانية (1939-1936) حيث تمكنت قوات الوطنيين بقيادة الجنرالين فرانسيسكو رانكو وإيميلو مولا من إخضاع منطقة الأندلس في بدايات الحرب، وبدأت في الزحف شمالاً باتجاه منطقة كاستياد لامانشا حيث توجد  العاصمة مدريد تحت سيطرة الجمهوريين، وضمن السياق التاريخي شاع المصطلح عملياً  خلال الحرب العالمية الثانية ليصف الجواسيس والمخربين ومثيري الشائعات.

إذاً نحن أمام مجموعة متنوعة من الصفات يحملها أفراد يعيشون معنا ، دوافعهم مختلفة،  مهامهم متعددة وغالباً يكونون من السكان المحليين يستعملهم الشيطان لتوجيه ضربات داخلية  لبث الإشاعات المغرضة والأخبار الكاذبة لزعزعة وقلقلة الصفوف الداخلية لجمع المعلومات والبيانات تمهيداً لحسم المشروع لصالح الشيطان . ما هي هذه الصفات التي يحملها هؤلاء الأفراد  ؟ أولاً: النفاق، ثانياً : أصحاب القلوب المريضة ، ثالثاً : المرجفون ، جاءت هذه التقسيمات في كتاب الله العزيز " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك إلا قليلاً" (3). دعونا نطرق  باب علم الاجتماع النفسي أو علم النفس الاجتماعي لفهم  كيف يتحرك الطابور الخامس  ضمن هذه الصفات الثلاث وقبول أفرادها في التلاعب بعقول الناس نيابة عن الشيطان .

 أول خط يمكن رسم مسار الطابور الخامس عليه هو أنه يتحرك ضمن نطاق السذاجة  وهي سمة أساسية للبشر سواء قبلنا بها أم لم نقبل ، قد يقول القائل منكم: ما علاقة السذاجة في صفات الطابور الخامس الثلاث ؟ الجواب: بعد انتخاب ترامب رئيساً لأمريكا  وجدنا صعود طغاة الأرض يخفون فاشيتهم ، هذا الصعود كان نتيجة أصوات أدلى بها هؤلاء السذج لصالح طغاة الأرض  مما قوض القرارات الإنسانية ، وهذه السذاجة ساهمت في خداع المجتمعات والتلاعب بعقول الناس وكانت أرضية خصبة لظهور النفاق  حيث يضطر الشخص عبر النفاق الدفاع عن نفسه ونفي التهمة عنه  أو طلباً للمصلحة إلى تبني أساليب النفاق.

  النفاق يا سادة رياضة بشرية يومية ، المنافقون لا يكذبون لأنهم أشرار، بل لأن الحقيقة ثقيلة والمصلحة أخف دائماً  عندهم،  أنت انظر في خطاب الشيطان ماذا يقول لك : أنا صريح جداً ، وهذه الصراحة تجعل الناس تبتسم له  وتمدحه حتى لو جرح المجتمعات بطريقة لطيفة،   إذاً المنافق يحب المديح مع وجود الجراحات ولكنك ستبقى مديناً له ، وهذا الدين قد يكون ثمن الحماية التي يقدمها لك أو ثمن إدارة فاشلة  تحمل مسميات مختلفة .  ظاهراً هم يقدمون لك خدمات اجتماعية، وهذه الخدمات يمكنك القيام بها من دون وساطته، ولكن المديح الذي حصل عليه المنافق  يقف حائلاً دون تقدمك إلى الأمام لحل مشاكلك ، وأنت ماذا تستفيد منه  مقابل هذه الخدمات !! سوى مقولة  واحدة : "أنت طيب"  الطيبة أشبه بلوحة مجانية الجميع يمر عليها ويسرق ما يريد منها ويتركها على الحائط، بينما هو يضحك في سرّه على بساطتك وسذاجتك، فالقاعدة عند المنافق هو لا يريد الحقيقة، بل  يسعى لأن تريحه دائماً من الخوف، وتأكد من يريح خوفهم يطيل بعبوديته له .

نحن نفهم أن المراهنة على النوايا الطيبة في بيئة تحكمها المصالح فعل ساذج، ولكنها وضعت المجتمع أمام فوهة المدفع وهذا خطير للغاية ، وليس خطر المنافق هو وحده يهدد المجتمعات، بل  وجود أهل الإرجاف بين ظهرانينا  هم أيضاً لا يقل خطرهم عن المنافقين.

 المرجفون هم الذين يسعون إلى إحداث الاضطراب  الشديد في المجتمع وخلخلة  أمنه واستقراره من خلال بثّ الشائعات والأخبار الكاذبة وتهويل  الأمور والمبالغة فيها وتقديم تحليلات خاطئة لمختلف القضايا عن قصد،  كم وكم من الشائعات تسمعها عن قرارات اتخذت لمنع ممارسة شعائر دينية أو ما شابه ذلك، ثم تبيّن فيما بعد أنها غير صحيحة بل أريد منها أي من الشائعات الإساءة إلى الجهات المعنية وإيجاد حالة عدم الثقة فيها، بالنتيجة ثبت الطابور الخامس أقدامه في المجتمع.

 وهكذا فإن الطابور الخامس في لباس المرجفين ينشط في أوقات الفتن والخلاف والتنازع  يسانده فيها أصحاب النفوس المريضة  في طعن القدوة الصالحة والقدح في تصرفاته  لأنهم يعيشون على مظاهر كاذبة يدفعون من جيوبهم  ليصدق الناس كذبهم ، فهم لا يريدون منك سوى أن تجعلهم في الصف الأمامي في  أي محفل من محافل أهل الأرض، فإن خطورتهم تكمن في أنهم  مستعدون  الإدلاء بشهادة كاذبة (شهادة الزور) أو صرف الناس عن مسؤولياتهم الدينية  والاجتماعية بحجة أنها غير صالحة في الوقت الراهن، وهذا يتم تحت ذرائع مختلفة  شريطة بقائهم في دائرة الإعلام وهذا هو الأهم عند أصحاب القلوب المريضة أن يبقوا وراء الميكروفون  وخذ منهم بعدها ما تريد. 

بالنتيجة الشيطان يستخدم الطابور الخامس للسيطرة، وهذه السيطرة  ليست سيطرة جسدية، بل هي تلك التي تحتل عقلك وتفكيرك بصمت، والخطر يكمن حين يتحول الطابور إلى وصي فكري حين يقنعك أنه يعرف مصلحتك  أكثر منك ، يصادر حقك فيتخذ القرار لأنه لا يريد أن يراك مستقلاً في حياتك بل مجرد رقم في القطيع (4). إن مرض الطابور الخامس كامن وضامر في قلوب الكثير ممن يدعي سلامة منهجه وعقيدته . إن الجهل في التعامل مع الطابور الخامس سواء بالإفراط او التفريط يجر الويلات  ويضعضع الصفوف خاصة إذا استغل هذا الطابور من قبل أصحاب الأهواء والقيادات الرعناء لتكون ذريعة لتبرير أفعالهم فاحذر من قناع البراءة المصطنعة.  والحمد لله رب العالمين.


المصادر: 
1.معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي ، محمد أحمد دهمان ج.1 ص105
2.معجم متن اللغة (موسوعة اللغة الحديثة)، أحمد رضا ،جزء1 ص 384
3.سورة الأحزاب، الآية : 60
4.سيكولوجية السيطرة ، غوستاف لوبون.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الجمعة 2026/3/13 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير