المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الوعي.8


حين قال الإمام الحسين بن علي: «إني لم أخرج أشِرًا، ولا بطِرًا، ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، فإنه أعلن بوضوح طبيعة موقفه وحدوده، وربط خروجه بمسؤولية تجاه المجتمع، لا برغبة شخصية في السلطة أو الانتقام. ومن هنا يمكن قراءة هذه العبارة في ضوء قضية معاصرة مهمة، هي الوعي القانوني: كيف يفهم الإنسان السلطة؟ وكيف يميز بين استعمال الصلاحية والتجاوز؟ وكيف تتحول القيم التي عبّر عنها الإمام الحسين إلى ثقافة تنظم علاقة الفرد بالمؤسسة والمسؤول والمجتمع؟

تكتسب العبارة الحسينية أهميتها من أنها تبدأ بتحديد ما يرفضه الإمام في الفعل العام: الأشر، والبطر، والإفساد، والظلم، ثم تحدد الغاية التي ينطلق إليها، وهي الإصلاح. وإذا أُخرجت هذه المفاهيم من إطارها الوعظي العام وربطت بالحياة القانونية والاجتماعية، فإنها يمكن أن تتحول إلى معايير تساعد الإنسان على فهم ممارسات السلطة والمجال العام.

فـ«أشِرًا»، بما تحمله من معنى الاختيال والتعالي، يمكن أن تستحضر في المجال الإداري مشكلة التعامل مع المنصب باعتباره امتيازًا شخصيًا. فالمسؤول لا يستمد سلطته من شخصه، وإنما من الاختصاص الذي حدده النظام أو القانون. ولذلك فإن استخدام الصلاحية لإظهار النفوذ أو تحقيق منفعة شخصية يخرج بالوظيفة عن غايتها العامة، بحسب طبيعة الفعل والقواعد القانونية المنظمة له.

أما «بطرًا»، فيمكن ربطها بمشكلة إساءة استعمال السلطة. فامتلاك الاختصاص لا يعني حرية التصرف بلا حدود؛ فالسلطة القانونية مقيدة بالغاية والإجراءات والشروط التي حددها القانون. فإذا كانت جهة إدارية تملك سلطة إصدار ترخيص، مثلًا، فإنها لا تملك منحه أو منعه وفق الرغبة الشخصية، وإنما وفق المعايير التي تحكم الحالات المتماثلة. ومن هنا يصبح رفض البطر والاستعلاء قريبًا من مفهوم قانوني أساسي: الاختصاص ليس ملكا شخصيا ، وإنما وظيفة مقيدة بحدودها وغاياتها.

   وهذا المعنى يتصل بجانب مهم من الفكر السياسي الإسلامي. فقد ربط الماوردي الإمامة بحراسة الدين وسياسة الدنيا، وربط ابن خلدون استقرار العمران بطبيعة السلطة والعدل والظلم. وفي الفكر المعاصر، يبرز عند الإمام الخميني تصور للسلطة يقوم على أنها وسيلة لإقامة العدل وحفظ النظام وتحقيق مصالح المجتمع وتنفيذ الأحكام والقيم، وليست غاية مستقلة أو امتيازًا شخصيًا للحاكم.

 فالسلطة، في هذا التصور، تستمد مشروعيتها الوظيفية من قدرتها على القيام بمسؤولياتها العامة، ومنع الظلم والفوضى، وحماية الحقوق، وإدارة شؤون المجتمع في إطار القواعد التي تحكمها. ولذلك فإن وظيفة الدولة لا تختزل في إصدار الأوامر، بل تشمل إقامة العدل، وحماية المجتمع، وتنظيم الحياة العامة، وصيانة الحقوق، ومواجهة الاستبداد والفساد.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند وصلها بكربلاء؛ فالإمام الحسين لم يطرح مجرد صراع على السلطة، وإنما جعل الإصلاح معيارًا لموقفه منها. ومن هنا يصبح السؤال المعاصر هل تمارس السلطة بوصفها مسؤولية عامة أم بوصفها امتيازًا شخصيًا؟ وهو سؤال يلتقي فيه البعد الحسيني مع فكرة السلطة المقيدة بالغاية والوظيفة.

أما «ظالمًا» فتتصل مباشرة بالحقوق والمساواة والعدالة في تطبيق القواعد. ويمكن أن يظهر الظلم قانونيًا في حرمان شخص من حق من دون سند، أو التمييز بين حالات متماثلة من دون مبرر، أو استخدام الصلاحية لمعاقبة شخص بسبب موقف شخصي، أو اتخاذ قرار يمس مصلحة الفرد  من دون احترام الضمانات والإجراءات المقررة  ولذلك لا يكفي أن نسأل هل الجهة تملك الاختصاص؟     بل يجب أن نسأل أيضا: هل استُخدم الاختصاص وفق القانون؟ وهل روعيت الحقوق والإجراءات والضمانات؟

وهذه الفكرة تتقاطع مع الفكر السياسي الحديث، ومنها تصور جون لوك للسلطة السياسية باعتبارها سلطة مرتبطة بالقانون وموجهة إلى الصالح العام، لا إلى الإرادة الشخصية للحاكم. كما نجد لدى كونفوشيوس تأكيدًا على ارتباط الحكم باستقامة صاحب السلطة، بينما قدم غاندي، من خلال مفهوم «ساتياغراها»، نموذجًا للاعتراض الذي يربط مقاومة الظلم بالانضباط الأخلاقي وعدم تحويل الاحتجاج إلى اعتداء. ولا تعني هذه المقارنات مساواة هذه التجارب بكربلاء، وإنما تكشف اتساع الأسئلة التي تثيرها: ما وظيفة السلطة؟ وما حدودها؟ وكيف يمكن مقاومة الظلم دون إنتاج ظلم آخر؟

أما «مفسدًا»، فيمكن وصلها بالمجال العام من خلال الإضرار بالمصلحة العامة أو استخدام الوظيفة بما يخل بنزاهة المؤسسات. ومن أمثلتها تضارب المصالح، أو استغلال المعلومات الوظيفية، أو توجيه الموارد العامة لمصلحة خاصة، أو تعطيل الإجراءات لتحقيق منفعة غير مشروعة. غير أن الوعي القانوني يقتضي عدم إطلاق وصف الفساد على كل خطأ أو خلاف إداري؛ فالتوصيف القانوني يعتمد على النص والواقعة والأدلة والإجراءات.

 ومن هنا تأتي أهمية الوعي القانوني الحقيقي فالإنسان الواعي لا يكتفي بالقول إن قرارًا ما ظالم، وإنما يسأل: من أصدر القرار؟ وما أساسه القانوني؟ وهل تملك الجهة الاختصاص؟ وما الإجراءات التي اتبعت؟ وما وسائل التظلم أو المراجعة أو الطعن التي يتيحها القانون؟ وبهذا ينتقل الإنسان من الانفعال إلى المعرفة، ومن الاتهام إلى التحقق، ومن الاحتجاج المجرد إلى استخدام الوسائل المشروعة لحماية الحق.

وهنا تظهر قيمة المنبر الحسيني في صناعة هذا النوع من الوعي. فليس المطلوب أن يتحول المنبر إلى درس قانوني متخصص، وإنما أن يجعل القيم الحسينية مدخلًا لتكوين إنسان يفهم حقوقه وواجباته، ويدرك حدود السلطة، ويميز بين القرار المشروع والقرار القابل للمراجعة، وبين الخطأ الإداري والمخالفة والفساد والجريمة، وبين النقد المشروع والتشهير، وبين المطالبة بالحق والاعتداء على حقوق الآخرين.

ولا يقتصر ذلك على الدولة ومؤسساتها. فالمنطق نفسه ينطبق على الجمعيات والمجالس والمؤسسات الدينية والاجتماعية والوقفية. فمن يتولى إدارة مؤسسة أهلية لا يملك مواردها ملكًا شخصيًا، ومن يتولى إدارة وقف لا يتعامل مع أمواله باعتبارها ملكًا له، وإنما باعتبارها أموالًا مخصصة لغرض محدد وتترتب على إدارتها مسؤوليات قانونية وأخلاقية. وهنا تصبح قيم الأمانة والعدل وعدم الاستئثار التي تستحضرها كربلاء جزءًا من ثقافة الإدارة الرشيدة.

كما أن مسؤولية الوعي لا تقع على صاحب السلطة وحده؛ فالمجتمع شريك في صناعة البيئة القانونية. فالمواطن الذي يعرف حقوقه، ويحترم القانون، ويطالب بالشفافية، ويستخدم قنوات التظلم والرقابة، ويرفض التطبيع مع التجاوز، يسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على حماية مؤسساته. فالوعي القانوني لا يعني كثرة النصوص التي يحفظها الإنسان، بل قدرته على معرفة متى يكون له حق، وكيف يثبت هذا الحق، وأين يطالب به، وما الحدود التي يجب ألا يتجاوزها وهو يمارس ذلك.

ومن هنا يمكن الحديث عن «الوعي القانوني الحسيني» لا باعتباره قانونًا جديدًا، وإنما باعتباره ثقافة تقوم على مجموعة من المبادئ: السلطة مسؤولية وليست امتيازًا، والاختصاص مقيد بحدوده، والحق يحتاج إلى معرفة ودليل، والاعتراض يحتاج إلى وسيلة مشروعة، والإصلاح لا يتحقق بالفوضى، والعدالة لا تقوم على الانتقام، والمصلحة العامة لا يجوز أن تتحول إلى غطاء للمصلحة الخاصة

وهنا تكمن إحدى أهم وظائف المنبر الحسيني في عصرنا: أن يحول الذاكرة الحسينية إلى وعي عملي. فلا يكفي أن يقال إن الإمام الحسين رفض الظلم، بل ينبغي أن يتعلم الإنسان كيف يميز الظلم من مجرد الخلاف، وكيف يبحث عن الدليل، وكيف يعرف الجهة المختصة، وكيف يطالب بحقه، وكيف يحاسب نفسه وهو يطالب الآخرين بالعدل.

وعندها تصبح كربلاء حاضرة في حياة المجتمع لا بمجرد استحضار أحداثها، وإنما من خلال الإنسان الذي تعلم منها أن السلطة مسؤولية، والحق يحتاج إلى وعي، والإصلاح يحتاج إلى معرفة، والقانون يحتاج إلى مجتمع يعرفه ويحترمه ويطالب بتطبيقه. وهذا هو الدور الذي يستطيع المنبر الحسيني أن يؤديه حين ينتقل من استحضار الذاكرة إلى صناعة الإنسان، ومن تكرار الموقف التاريخي إلى بناء الوعي الذي يجعل قيم كربلاء فاعلة في مؤسسات المجتمع وحياته اليومية.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الأحد 2026/10/4 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير