المنبر الحسيني و مسؤولية صناعة الوعي.6


إذا كانت النهضة الحسينية قد قامت على مشروع إصلاحي يتصل بالإنسان ومسؤوليته وحقه في حياة تقوم على العدل والحرية والكرامة، فإن استحضار كربلاء في العصر الراهن لا ينبغي أن يقتصر على استعادة أحداثها وشعاراتها، بل ينبغي أن يمتد إلى قراءة حاجات الإنسان المعاصر وتحويل قيم النهضة إلى وعي وسلوك. ومن هنا يبرز الوعي الاقتصادي بوصفه أحد المجالات المهمة في صناعة الإنسان والمجتمع؛ لأن الاقتصاد يمس تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والدخل والاستهلاك إلى الأسرة والتعليم والزواج والتخطيط للمستقبل، ويؤثر بصورة مباشرة في استقرار الإنسان وقدرته على اتخاذ قراراته.

فالاقتصاد ليس مجرد أرقام وموارد، وإنما هو جزء من الثقافة الاجتماعية وطريقة إدارة الإنسان لحياته. وحين يضعف الوعي الاقتصادي، قد تتحول بعض الاختيارات اليومية إلى أعباء طويلة المدى: إنفاق يتجاوز الدخل، ديون غير محسوبة، استهلاك تحركه المظاهر، أو قرارات مالية تتخذ تحت ضغط المجتمع. ومع تكرار هذه السلوكيات داخل الأسر، تتحول من مشكلات فردية إلى ظواهر اجتماعية تؤثر في الاستقرار الأسري وفي قدرة الأفراد على التخطيط للمستقبل.

ومن هنا ينبغي أن يتجاوز الخطاب الحسيني الحديث العام عن المال والإسراف والصدقة والتركيز على استخراج الحقوق الشرعية أكثر إلى بناء ثقافة اقتصادية اجتماعية تساعد الإنسان على فهم واقعه والتعامل معه بوعي. فالأسرة تحتاج إلى معرفة كيفية ترتيب أولوياتها، والتمييز بين الحاجة والرغبة، وموازنة الإنفاق مع الدخل، والتعامل مع الديون بحذر، والاستعداد للظروف الطارئة، والتفكير في المستقبل بدل استنزاف الموارد في الاستهلاك الآني. وهذه ليست مسائل مالية تقنية فحسب، بل هي جزء من ثقافة المسؤولية وحسن التدبير.

وتتضح أهمية هذا الوعي أكثر عندما نربطه بالثقافة الاجتماعية التي تحيط بالإنسان. فالمبالغة في تكاليف الزواج والمناسبات، والتنافس في المظاهر، والرغبة في مجاراة الآخرين في نمط الاستهلاك، قد تجعل الأسرة تنفق فوق قدرتها حتى تحافظ على صورتها الاجتماعية. وهنا لا تكون المشكلة في المال وحده، وإنما في المعايير التي تحدد نظرة المجتمع إلى النجاح والمكانة. ولذلك يستطيع المنبر أن يؤدي دورًا إصلاحيًا من خلال إعادة الاعتبار إلى الاعتدال وحسن التدبير، وترسيخ فكرة أن قيمة الإنسان لا تقاس بما ينفقه أو بما يعرضه أمام الآخرين.

ويرتبط الوعي الاقتصادي كذلك بنظرة المجتمع إلى العمل والإنتاج والمهارة ، فبناء الإنسان لا يتحقق بتعليمه كيفية الإنفاق فقط، وإنما بتعزيز قدرته على العمل والتعلم والإنتاج والمبادرة. ولذلك فإن الخطاب الحسيني المعاصر يستطيع أن يربط بين قيمة العمل والمسؤولية، وأن يشجع الناشئة على اكتساب المعرفة والمهارات، وعلى النظر إلى العمل والإنتاج باعتبارهما طريقًا للمشاركة في بناء المجتمع وصناعة المستقبل.

وفي هذا السياق يأتي التعامل مع الفقر ضمن منظومة الوعي الاقتصادي، وليس بوصفه المحور الوحيد لها. فالفقر قد يرتبط بضعف الدخل، لكنه قد يتصل أيضًا بالبطالة أو ضعف التعليم أو نقص المهارات أو محدودية الفرص. ولذلك فإن الوعي الاقتصادي يمكن أن يساعد الأسرة التي تواجه ضيقًا ماليًا على البحث عن سبل عملية لتحسين وضعها، من خلال إعادة ترتيب الإنفاق، وتطوير المهارات، والاستفادة من فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل عندما يكون ذلك ممكنًا، إلى جانب التكافل الاجتماعي عند الحاجة. وبهذا لا تكون المساعدة مجرد استجابة للحاجة، بل يمكن أن تكون خطوة تساعد الإنسان على استعادة قدرته على إدارة حياته.

ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون الحد من الفقر والمساهمة في الخروج من أسبابه أحد التطبيقات الاجتماعية المعاصرة لرسالة كربلاء، من خلال ثقافة العمل والتعليم والتكافل والمسؤولية، دون اختزال الرسالة الحسينية في قضية اقتصادية واحدة. فالمجتمع الذي يريد أن يستلهم قيم الإصلاح يحتاج إلى أن ينظر إلى الإنسان المحتاج بوصفه إنسانًا يمتلك طاقات يمكن تنميتها، لا مجرد حالة تستدعي المساعدة المؤقتة.

وقد كان الفكر الإسلامي واعيًا بارتباط الاقتصاد ببناء الإنسان والمجتمع. فتناول الغزالي في إحياء علوم الدين الكسب والمعاش والإنفاق في إطار المسؤولية الأخلاقية، وناقش أبو يوسف في كتاب الخراج قضايا المال وإدارة الموارد، وربط ابن خلدون في المقدمة بين العمل والكسب والعمران وقوة المجتمع، بينما قدم محمد باقر الصدر في اقتصادنا رؤية تربط النظام الاقتصادي بالإنسان والملكية والتوزيع والعدالة. وتكشف هذه المسارات عن أن الاقتصاد في الفكر الإسلامي لم يكن مجالًا منفصلًا عن الاجتماع والأخلاق، بل جزءًا من السؤال المتعلق بكيفية بناء مجتمع متوازن.

كما أظهرت دراسات الاقتصاد السلوكي أن القرارات المالية لا تحكمها المعلومات وحدها؛ فقد درس دانيال كانيمان وآموس تفيرسكي أثر الانحيازات النفسية في اتخاذ القرار، بينما تناول ريتشارد ثالر جوانب من السلوك المالي والادخار والاختيارات الاقتصادية. وهذا يوضح أن تغيير السلوك الاقتصادي يحتاج إلى تغيير بعض العادات والتصورات الاجتماعية، لا إلى تقديم المعلومات وحدها. ولذلك فإن المنبر يستطيع أن يسهم في هذا المجال من خلال تحويل القيم الدينية إلى وعي عملي يؤثر في طريقة التفكير والاختيار.

وتأتي المناسبات الدينية بوصفها فرصًا متكررة لإعادة طرح هذه القضايا في وجدان المجتمع. فالمناسبة الحسينية يمكن أن تفتح أسئلة تتصل بحياة الناس مباشرة: كيف ندير موارد الأسرة؟ و كيف نواجه الاستهلاك الذي تفرضه المنافسة الاجتماعية؟ وكيف نربي أبناءنا على المسؤولية المالية؟ و كيف نعزز قيمة العمل والمهارة والإنتاج؟ وكيف نساند المحتاج بطريقة تساعده على تجاوز أزمته؟ وبذلك لا تبقى المناسبة الدينية محصورة في استحضار الماضي، وإنما تصبح مساحة لقراءة الحاضر في ضوء القيم التي تحملها كربلاء.

ولا يعني ذلك أن يتحول الخطيب إلى اقتصادي أو مستشار مالي؛ فوظيفة المنبر مختلفة. المطلوب هو امتلاك قدر مناسب من الثقافة الاقتصادية التي تمكن الخطيب من فهم القضايا التي يعيشها الناس، مع معرفة حدود اختصاصه والاستعانة بالمتخصصين في المسائل الفنية. فالمنبر لا ينافس الخبراء، وإنما يسهم في بناء الثقافة والقيم التي تجعل الإنسان أكثر وعيًا عندما يتعامل مع الخبرة الاقتصادية.

والأهم أن الوعي الاقتصادي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه معرفة تتعلق بالمال فقط، بل بوصفه جزءًا من إعداد جيل قادر على إدارة حياته وصناعة مستقبله. فالجيل الذي يتعلم قيمة العمل، ويفهم الفرق بين الحاجة والرغبة، ويعرف كيف يخطط وينفق ويدخر، ويكتسب المهارات، ولا يجعل المظاهر معيارًا لنجاحه، سيكون أكثر قدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية بثقة واستقلالية. ومن هنا يسهم الوعي الاقتصادي في إخراج جيل لا يستهلك فقط، وإنما يفكر ويعمل وينتج ويبادر، ويعرف أن امتلاك القدرة جزء من تحمل المسؤولية.

وبهذا يصبح الوعي الاقتصادي أحد مسارات استلهام كربلاء في الحياة المعاصرة: وعي يحمي الأسرة من القرارات المالية العشوائية، ويعزز قيمة العمل والإنتاج، ويساعد على التعامل مع الفقر والأزمات، ويرسخ التكافل، ويهيئ الإنسان لصناعة مستقبله. وعندما يتحول هذا الوعي إلى ثقافة اجتماعية متراكمة، فإنه لا يغيّر طريقة تعامل الناس مع المال فحسب، بل يسهم في بناء أسرة أكثر استقرارًا، ومجتمع أكثر قدرة، وجيل أكثر ثقة بنفسه وبالدور الذي يستطيع أن يؤديه.

وهنا تتجلى قيمة المنبر الحسيني في الانتقال من استحضار كربلاء بوصفها حدثًا تاريخيًا إلى استلهامها بوصفها مشروعًا لبناء الإنسان؛ فكلما استطاع الخطاب أن يلامس حاجات الناس الحقيقية، وأن يحول القيم إلى وعي وسلوك، أصبح أقرب إلى روح الإصلاح التي قامت عليها النهضة الحسينية


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الخميس 2026/9/24 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير