
نعيش نحن اليوم في مشهد معقد مع الشيطان الذي يريد إعادة رسم خارطة الهيمنة على الشعوب والسيطرة عليها من خلال تقوية نفوذه حيث تتداخل المصالح مع أجندات الشيطان، هذه الأجندات تتحرك ضمن مشروع السيطرة على العقول البشرية ، وهذه السيطرة هي بداية الصراعات التي رافقت الإنسان عبر التاريخ البشري الطويل.
من هنا يبدأ الشيطان بتنظيم خيوطه لتتفاعل العقول وتتشابك العلاقات ليبرز بعد ذلك مفهوم السيطرة كقوة خفية تحرك عقول البشر نحو الأهداف المرسومة . يقول الإمام علي عليه السلام في خطبة له في وصف زمان الجور: " أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن كنود ، يُعدُّ فيه المحسن مسيئاً ويزداد الظالم فيه عتوّاً ، لا ننتفع بما علمنا و لا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا ". (1)
بحثنا سوف يكون حول فقرة واحدة من هذه الخطبة: "لا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا ". في قلب هذا العلم تكمن مفاهيم أساسية لفهم ديناميكية السيطرة فهل أنتم فعلاً مستعدون لفهم ذلك ؟ حسناً فلنبدأ إذاً على بركة الله .
إن اللغة التي استخدمها الإمام علي عليه السلام في هذه الخطبة هي اللغة العرفية ، ولكن ما معنى اللغة العرفية ؟ اللغة العرفية هي الألفاظ التي ينقلها الناس من معناها اللغوي إلى معان أخرى جديدة نتيجة الاستعمال والتعارف العام أو الخاص، مثلاً لفظة قارعة ، القارعة عرفاً اسم من أسماء يوم القيامة، ولكن نتيجة استعمالها المتكرر تعني وقوع المصيبة الكبرى، وهي في السياق العام تدل على الداهية أو المصيبة العظيمة التي تنزل بالناس ، والشاهد عرفاً في لفظة الإمام علي عليه السلام تشير إلى الغفلة حيث لا يتم أخذ الحيطة والحذر، ومن هنا تبدأ عملية التلاعب بالعقول.
علم النفس الاجتماعي هو ذاك العلم الذي من خلاله نستطيع كشف الآليات التي يستند عليها المتلاعبون بالعقول لرسم استراتيجية نفسية خفية وخادعة لتوجيه الأفكار والمشاعر والسلوكيات الخاصة بالناس بما يخدم مصالحهم .هنا يجدر بنا أن نتساءل ما هو التلاعب ؟ التلاعب هو استخدام خفي وتكتيكات نفسية بأفكار الشخص أو سلوكه، وبعبارة أخرى توجيه أفكار ومشاعر وسلوك الفرد نحو تحقيق المصالح الشخصية كأن تجعل الشخص يشعر بالذنب أو تخلق الخوف في نفسه من دون أن يشعر. وهذا المفهوم لا ينطبق فقط على مستوى الفرد بل أيضاً يطال المستوى الاجتماعي ، فالخوف من الذنب محفز قوي للسلوك وتحريك غزيرة البقاء في النفس ، فالاستجابة ستكون سريعة وإيجابية خاصة إذا شعر الفرد أنه سيرفض اجتماعياً ،لأن الرفض الاجتماعي يولد الخوف في النفس لأننا لم نلتزم بمعايير وقيم المجتمع.
فالمتلاعب هو العدوّ الخفي يقول غوستاف لوبون: " العدوّ الخفي هو من أذكى الأعداء الذي لا يلوث يده بدمائك بل يرسل الآخرين ليقوموا بالمهمة "الحرب بالوكالة"، وهي "تجنيد أشخاص بقصد أو بجهل لمهاجمتك أو نشر الشائعات عنك" 2 . فالمتلاعب يمثل دور البريء المظلوم أمامك ليحولك إلى جندي من جنوده المخلصين ووكيل تحارب نيابة عنه لتجد نفسك تحارب جبهات متعددة، وبالنتيجة ستنتشر الفوضى في أوساط المجتمع بسببك ، بينما الشيطان يتفرج من بعيد بابتسامة خبيثة.
هذه الحرب النفسية التي يقودها الشيطان في عصرنا الراهن هي من أخطر الحروب على البشرية لأنها حرب السلوك وتغيير القناعات، وإضعاف معنويات الخصم، وتحطيم إرادته من خلال وسائل إعلامية مختلفة وهنا مكمن قوته، فتكاليف الحرب العسكرية هي استنزاف مالي واقتصادي يرهق كاهل الشيطان بينما الحرب النفسية أقل كلفة والربح سيكون عالياً، لهذا اختار الشيطان أن يهزم المجتمعات ويتحكم سيطرته عليها من خلال ممارسة الحرب النفسية .
أنا لست بصدد شرح مفهوم الحرب النفسية، بل جلّ ما يعنيني هو عملية التمويه التي تُمارس ضدّ الفرد داخل المجتمع .هناك بعض التساؤلات المتعلقة بالموضوع سأحاول قدر المستطاع الإجابة عنها. في عالمنا اليوم هناك مجموعة من الآليات يستخدمها الشيطان للسيطرة على العقول وهي :
أولاً: تقنية المعلومات. ثانياً : اللغة المذهبية. ثالثاً: التلاعب في الموروث الروائي. رابعاً: إبراز ضعف الشخصيات القيادية والطعن فيها. خامساً : إنشاء منصات إعلامية هدفها هدم الهوية الفردية. سادساً : نشر المعلومات المدلسة الكاذبة. سابعاً : دعم رموز مهمة في المجتمع لإيجاد شرخ فيه.
قد يقول البعض منكم: إذا كانت هذه الآليات بيد الشيطان لتتحكم بالعالم فإن هذا الكلام مبالغ فيه، أود هنا أن أطرح هذا السؤال: هل سيطرة الشيطان على العقول سيطرة تامة أم نسبية ؟ الجواب: الشيطان لا يستطيع أن يسيطر سيطرة تامة على العقول ، لماذا ؟ لأن السيطرة قد تزيد أو تنقص حسب الشخص والظروف المحيطة به، فالسيطرة هنا سيطرة نسبية ، هذه الآليات لها تأثير كبير على الناس خاصة لمن لا يعرف بوجودها ، الآن قل لي بلد مسلم متعدد المذاهب هل يعقل أن لا يكون فيه مسجد لاتباع هذا المذهب أو ذاك ؟ نحن جميعاً سنقول: لا يعقل أليس ذلك لأن حرية العبادة مكفولة شرعاً وقانوناً ؟ إذا كان كذلك فمن الذي روّج شائعات مفادها أن المسلمين من أهل السنة يواجهون المشاكل في ممارسة عباداتهم في إيران بسبب عدم وجود مساجد خاصة بهم ؟
الجواب: الذي روّج هذه الشائعات هي تقنية المعلومات وصدقها السذج ،لأن فوضى اللغة المذهبية كانت الأرضية الخصبة التي من خلالها انطلقت هذه الشائعات، وهذه الأرضية بدورها كانت تسقى من قبل وكلاء الشيطان فكانت النتيجة أن هؤلاء الوكلاء المدافعين عن هذه الجهة أو المناهضين لتلك الجهة كانوا يهاجمون بعضهم البعض ونسوا الرأس المدبر ولم يواجهوا الشائعات بالحقائق الموثقة .فكم من الطاقات هُدرت بسبب السجالات التي خططها الشيطان في تموية الحقائق ، وكم من ساذجٍ قرر أن يكون تابعاً أعمى . والحمد لله رب العالمين.
المصادر
1.نهج البلاغة ، تحقيق صبحي صالح ، رقم الخطبة 32 ، ص74
2. سيكلوجية السيطرة