أي سر أودعه الله في فاطمة


أيّ سر أودعه الله في فاطمة؟

ليس التاريخ هو الذي يصنع العظماء، بل العظماء هم الذين يكتبون التاريخ بدمائهم ومواقفهم. وإذا كانت للتضحية أمٌّ، فهي فاطمة الزهراء عليها السلام، وإذا كان للثبات منبعٌ لا ينضب، فهو بيتها الذي ما خلا يومًا من حاملٍ للرسالة، ولا من فادٍ للإسلام.

ولذلك وقفت الزهراء تخاطب الأمة بكلماتٍ ستبقى خالدةً في ضمير التاريخ، فقالت: «اعلموا أني فاطمة». لم يكن ذلك مجرد تعريفٍ بالإسم، بل إعلانًا عن هوية الرسالة، وشهادةً بأن الموقف الذي تتخذه إنما ينطلق من موقع الحق، ومن بيت النبوة، وأن صوتها ليس صوت امرأةٍ تدافع عن شأنٍ خاص، وإنما صوت الإسلام وهو يطالب بحقه، ويحذر الأمة من الانحراف عن نهج الرسالة.

حين وقف الإسلام على حافة الاجتثاث، لم يتقدّم جيشٌ ولا سلطان، بل تقدّم الحسين عليه السلام، ابن فاطمة، يحمل روحه على كفّه، ليكتب بدمه أعظم بيانٍ في تاريخ الإنسانية: إن الدين لا يموت ما دام فيه من يفديه. فسقى شجرة الإسلام بدمه الزاكي، فتحولت كربلاء إلى نبضٍ لا يخبو، وإلى مدرسةٍ تُخرِّج الأحرار في كل عصر.

وحين تعرّض الإسلام لمحاولات التشويه والاستهداف وإفراغه من جوهره، نهض ابنها علي الخامنئي، الذي كرّس حياته للدفاع عن قضايا الأمة، وكتب بدم شهادته ٱن عنوان مشروعه هو وحدة الأمة والمقاومة . وكأن التاريخ يهمس في أسماع الأجيال: إن الرسالة التي انطلقت من بيت فاطمة لا تزال تُنجب رجالًا يحملون رايتها، ويثبتون على عهدها، مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات.

فاطمة ليست ذكرى تُستحضر في المناسبات، بل هي روحٌ تسري في وجدان الأمة، ومدرسةٌ لا تزال تُخرِّج رجالًا يؤثرون العقيدة على المصلحة، والموقف على السلامة، والحق على كل اعتبار. إنها المدرسة التي تعلِّم أن الرسالة لا يحفظها المتفرجون، وإنما يحفظها الذين يجعلون أرواحهم جسورًا لعبور الحق إلى المستقبل.

فأيُّ سر أودعه الله في هذه السيدة العظيمة؟ وكيف بقي أثرها حيًّا بعد أربعة عشر قرنًا، حتى صار كلُّ من يحمل همَّ الإسلام، ويثبت في وجه الطغيان، إنما ينهل من معينها، ويقتبس من نورها؟

وكأن فاطمة، وهي تنظر إلى مسيرة التاريخ، تخاطب العالم بأسره: اعلموا أني فاطمة... فاعرفوا أن ميراثي ليس قصورًا تُشيَّد، ولا كنوزًا تُورَّث، وإنما رجالٌ إذا نادى الحق لبّوا، وإذا استغاث الإسلام تقدّموا، وإذا اشتد البلاء ثبتوا، وإذا كان للدين ثمنٌ دفعوه وهم راضون .

فمدرسة فاطمة لا تُورِّث الألقاب، بل تُورِّث الرسالة، ولا تُخرِّج رجالًا يطلبون الدنيا، بل رجالًا يصنعون التاريخ، ويبقى بهم الإسلام عزيزًا، وتظل رايته خفاقةً ما بقي في الأرض موحِّدٌ ينطق: لا إله إلا الله، محمد رسول الله


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير