
ولد الإمام علي في 13 رجب، أي قبل 10 سنوات من البعثة النبوية الشريفة في جوف الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، وترعرع في حضن النبي الخاتم (ص)، ثم انتقلت مهمة تربيته إليه (ص) ، هذه التربية كانت مهمة للمرحلة الانتقالية التي سيواجهها المجتمع المكي حين يسطع نور الإسلام والدعوة إلى التوحيد ، ولو قلت إن سيد المرسلين (ص) من خلال تربيته لعلي بن أبي طالب هل كان يريد فعلاً أن يبني جيلاً مثقفاً يكون سنداً له في مواجهة التحولات التاريخية الآنية والمستقبلية ؟ الجواب هو نعم وهذا ما سيتبيّن لكم خلال البحث. إذاً المسألة لم تقتصر على تبني طفلٍ لمجرد أنه ابن عمه ويريد أن يخفّف عن عمه أبي طالب عبء التربية لأنه كان كثير العيال، لا بل المشروع كان أكبر من ذلك بكثير.
هنا تبدأ مرحلة بناء الذات وهي أول محطة في حياة الإنسان حيث قطع الإمام علي أشواطاً كبيرة في بناء ذاته والاهتمام الذي أبداه في مرافقة معلمه سيد المرسلين (ص)، وقد شهدت هذه الفترة تحولاً في اهتماماته نحو جميع العلوم والمعارف، فهو يقول: علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب، والملفت في الأمر أنه الوحيد الذي تحدى جميع علماء الأرض بمعرفته بالعلوم والمعارف في جميع المجالات حين قال: "سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله إني أعرف بطرق السماء من طرق الأرض ". فقدم ذاته إلى العالم بكل ثقة، وعليه كان جديراً أن يكون باب مدينة علم سيد المرسلين (ص)، والمؤسف حقّاً أننا عندما نقرأ في مدونات المسلمين عن نشأة الكون والانفجار العظيم نراهم يتجهون نحو ستيفن هوكينج ونسوا أن هناك عالماً فيلسوفاً- صفه كما شئت من أوصاف تقديرية- وباباً من أبواب علم النبوة تحدث في نشأة الكون بدقة متناهية وهو الإمام علي بن أبي طالب .
وتحدث أيضاً في علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الطب وعلم الصناعة، إذا بحثت عن أي علم تريده ستجده عند هذا الرجل العظيم القائد الإسلامي الفذّ الذي عجزت العقول عن فهم كنه حقيقته، كان عظيماً وعليه يحق للعظماء أن يتحدثوا عنه، يقول سيمون أوكلي الكاتب الإنكليزي: " شيء يستحق أن نقف عنده ونتساءل عن حكمته، لقد ولدته أمه في البيت نفسه المقدس في مكة.. والذي يأمر الله أن يُطهّر ويُعبد لوجهه خالصاً ، لم يحدث هذا لأي إنسان ولا حتى بأي دين سماوي ". ويقول جبران خليل جبران: "وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها. وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله ".
اعتمدت الأمم المتحدة عهد الإمام علي بن أبي طالب لواليه على مصر مالك الأشتر كونه من أوائل الرسائل الحقوقية والتي تحدّد الحقوق الواجبات بين الدولة والشعب؛ وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان : إنّ هذه العبارة من العهد يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم، والعبارة هي : "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق ". وهذه العبارة جعلت كوفي عنان ينادي بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام لمالك الأشتر، وترشيحه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت لمدّة سنتين في الأمم المتحدة صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وقد تمّ بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة غير عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر كمصادر للقانون الدولي، من هنا نستطيع القول أن كتاب نهج البلاغة هو يَنبوعٌ متدفّقٌ جيّاش، يزداد تدفّقاً كلّما نقّبتَ فيه، كما ظهر مدى اتّصاله ببحار المعارف الإلهيّة أيضاً وهو لكلّ الأجيال ولكلّ القرون.
وقد ثبت للتاريخ على مستوى جميع الأوساط العلميّة والتحقيقيّة، أن ( نهج البلاغة ) لا يمكن أن يكون لأحدٍ غير الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فهو بحرٌ مترامي السواحل تنقطع دونها مَدَياتُ الأبصار، فعلى طول ألفٍ وأربعمائة عامٍ تقريباً ما زالت الشروح والدراسات تترى على ( نهج البلاغة ) تَفِد عليه وتَرجِع مُقِرّةً بالعَجزِ عن استيعابه وإدراك أعماقه ومقاصده السامقة كلِّها.
أشارالدكتور حامد حنفي داود / أستاذ الأدب العربي في جامعة عين شمس بالقاهرة، في مقالة تحت عنوان: ( نهج البلاغة: توثيقه، ونسبته إلى الإمام علي عليه السلام ) إلى خطورة هذه الحالة على عقيدة الأمّة، فردّها بأدلّة كثيرة، منها: إعجابُ جهابذة الأُدباء والشعراء والكتّاب بنهج البلاغة واعتقادهم بنسبته إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك تأكيدُ المصادر التاريخيّة والرجاليّة والمعجميّة، ومراجع التحقيق والبحث العلمي.. مضيفاً إلى ذلك الأدلّة العقليّة والنقليّة، ومُدرِجاً عدداً كبيراً من أسماء الكتب وأسماء العلماء والباحثين المؤكّدين على نسبة ( نهج البلاغة ) للإمام عليّ عليه السلام، ليختم الدكتور حنفي مقالته بهذا الاستدلال :لمّا كان أُسلوب ( نهج البلاغة ) في درجةٍ واحدةٍ من الصياغة والبلاغة؛ فإنّ ذلك يدلّ من طريقٍ آخر أنّ النهج كلَّه مِن كلام الإمام عليّ، وليس مِن كلام غيره من بلغاء القرن الرابع.
إذاً نهج البلاغة هو كتاب هدى الإمام عليّ إلى الحقائق الثابتة، وإلى فلسفة الحياة بصورةٍ تجد فيها كلامَه الشفّاف يخلّد الحياة، وهو أيضاً خالدٌ خلودَ الدهر. ولا غَرو في ذلك، إذ هو مِن كلام مَن تربّى في كنف النبيّ( ص)، وارتوى مِن معين الوحي، ونما وترعرع في بيت القرآن والرسالة، ومِن كلام مَن لمس كلامَ الله بكل كيانه، فتجسّد فيه الإيمان، فأصبح عليه السلام مَجْلى الحقّ، فلا عَجَبَ أن يصدر منه كلامٌ على مستوى ( نهج البلاغة ).
جاءت أهمية كتاب نهج البلاغة في تنوع المفاهيم وجامعية الكلمات، فهو ليس كتاباً سياسياً أو تاريخياً أوعقائدياً أو أخلاقياً أو علمياً، فكل هذه الجوانب اقتحم الإمام علي بكلماته لجتها ومن أعماق أغوارها راح ينثر للقارئ والباحث ما دامت الدنيا باقية درراً ثمينة، فنصوصها تحتوى على جوامع الكلم ، وتعكس التطورات السياسية ، وتقدم تصويراً دقيقاً لنفسيات الناس،أو بتعبير آخر احتوى على علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، وكلما ولجت في هذا الكتاب من أية زاوية علمية أو دينية شئت ستجد أنه عليه السلام خاض فيه إلى أوجه كماله، فيرسم لك بدقة ملامح العلم حتى تصل إلى اليقين . والحمد لله ربّ العالمين.